أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

103

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أنها للتعليل ، بمعنى اللام ، أي : ولذلك الإنكار الصادر منهم عليهم ، والدعاء إلى اللّه في زمن ، كان يدعى فيه غير اللّه آلهة نريه ملكوت . الثالث : أن الكاف في محل رفع ، على خبر ابتداء مضمر ، أي : والأمر كذلك ، أي : كما رآه من ضلالتهم . نقل الوجهين الأخيرين أبو البقاء ، وغيره . و « نُرِي » هذا مضارع ، والمراد به حكاية حال ماضية . و « نُرِي » يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين ، لأنها في الأصل بصرية ، فأكسبتها همزة النقل مفعولا ثانيا . وجعلها ابن عطية منقولة من « رأى » بمعنى عرف ، وكذلك الزمخشري ، فإنّه قال - فيما قدمت حكايته عنه - : « ومثل ذلك التعريف نعرف . قال الشيخ « 1 » - بعد حكايته كلام ابن عطية - : ويحتاج كون « رأى » بمعنى « عرف » ثم تتعدى بالهمزة إلى مفعولين إلى نقل ذلك عن العرب ، والذي نقل النحويون « 2 » أن « رأى » إذا كانت بصرية تعدت لمفعول ، وإذا كانت بمعنى « علم » الناصبة لمفعولين تعدت إلى مفعولين » . قلت : والعجب كيف خصّ بالاعتراض ابن عطية دون الزمخشري . وهذه الجملة المشتملة على التشبيه ، أو التعليل معترضة بين قوله : « وإذ قال إبراهيم » - منكرا على أبيه وقومه عبادة الأصنام - وبين الاستدلال عليهم بوحدانية اللّه تعالى . ويجوز ألا تكون معترضة إن قلنا : إنّ قوله : « فلمّا عطف على ما قبله ، وسيأتي . و « الملكوت » مصدر ، على « فعلوت » بمعنى « الملك » وبني على هذه الزنة والزيادة للمبالغة ، وقد تقدم ذلك عند ذكر « الطاغوت » « 3 » . والجمهور على « مَلَكُوتَ » بفتح اللام . وقرأ أبو السّمّال بسكونها ، وهي لغة . والجمهور أيضا على « مَلَكُوتَ » باء مثناة ، وعكرمة قرأها مثلثة ، وقال : أصلها : ملكوثا ، باليوناينة ، أو بالنبطية . وعن النّخعي هي : ملكوثا ، بالعبرانية ، قلت : وعلى هذا قراءة الجمهور تحتمل أن تكون من هذا ، وإنما عربت الكلمة ، فتلاعبوا بها ، وهذا كما قالوا فيّ اليهود : أنهم سموا بذلك لأجل يهوذا بن يعقوب ، بذال معجمة ، ولكن لما عربته العرب أتوا بالدال المهملة ، إلّا أن الأحسن أن يكون مشتقا من « الملك » ، لأن هذه الزنة وردت في المصادر ك « الرّغبوت ، والرّهبوت ، والجّبروت ، والطّاغوت » ، وهل يختص ذلك بملك اللّه تعالى ، أم يقال له ، ولغيره ؟ فقال الراغب : « والملكوت مختصّ بملك اللّه تعالى » . وهذا الذي ينبغي . وقال الشيخ : ومن كلامهم له ملكوت اليمن ، وملكوت العراق » . فعلى هذا لا يختص . والجمهور أيضا على « نُرِي » بنون العظمة ، وقرىء « 4 » « تري » بتاء من فوق - « إِبْراهِيمَ » نصبا - « مَلَكُوتَ » رفعا ، أي : تريه دلائل الربوبية ، فأسند الفعل إلى « الملكوت » مؤولا بمؤنث ، فلذلك أنث فعله . قوله : « وَلِيَكُونَ . . . » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الواو زائدة ، أي : نريه ليكون من الموقنين باللّه ، فاللام متعلّقة بالفعل قبلها ، إلا أنّ زيادة الواو ضعيفة ، ولم يقل بها إلا الأخفش ، وفرقة تبعته . الثاني : أنها علة لمحذوف ، أي : وليكون أريناه ذلك . الثالث : أنها عطف على علة محذوفة ، أي : ليستدل ، وليكون ، أو ليقيم الحجة على قومه . والصنم لغة : كلّ جثة صوّرت من نحاس أو فضة ، وعبدت متقربا بها إلى اللّه . وقيل : ما اتخذ من صفر ، وذهب ، وحجر ، ونحوها فصنم . وما اتخذ من خشب فوثن . وقيل : بل هما بمعنى واحد . وقيل : الصّنم معرّب : شمن . والصّنم

--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) انظر الكتاب ( 2 / 390 ) ، المقتضب ( 3 / 122 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 191 ، 194 ) . ( 3 ) عن آية ( 256 ) من سورة البقرة . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 165 ) .